محمد غازي عرابي

892

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

ولما فطن داود الفكر لحقيقة الأمر استغفر ربه ، وخر راكعا وأناب ، فالأمر إذا متعلق بتجربة الكشف وحدها ، والتي من دونها لا يمكن للإنسان أن يعرف جوهر الأسماء وحقيقة اللعبة الأسمائية والسر الذي متى عرفه خر للّه راكعا وأناب ، مسلما إليه وجهه ، مقرا بأن ما به من نعمة فمن اللّه ، وما له في الحقيقة من الأمر شيء . فالرحمة والدخول في الصالحين أمر منوط باللّه ، سبحانه إذا أراد أن يوقظ عبده من غفلته أدخله مدخلا هو بين إصبعي الخير والشر ، فاطلع العبد كشفا وذاق وعرف وتحقق بمقام الإحسان . [ سورة ص ( 38 ) : الآيات 26 إلى 27 ] يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ ( 26 ) وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلاً ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ ( 27 ) [ ص : 26 ، 27 ] الحق الوحي الذي خصت به الأنبياء ، والإلهام الذي خصت به الأولياء ، وكلاهما صوت اللّه يسدد به خطى عبده ، وهذا المقام هو ما وصفه سبحانه في موضع آخر بقوله في نبيه : وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى ( 3 ) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى ( 4 ) . والوحي غير الفكر ، وإن كان روح الفكر أو فكر الفكر ، ولقد سبق وأوردنا حادثة إبار النخل حين رأى النبي أناسا يلقحون نخلهم فقال : ما أظن أن هذا ينفع ، فلما ترك القوم التلقيح فسد النخيل ، فالنبي ما قال في النخيل قولا عن وحي بل عن فكر ، والفكر يصيب ويخطئ ، وهو عرضة لضغط هوى الغريزة والعاطفة والأنانية ، وهذا ما أشار إليه سبحانه في الآية بقوله : وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ . [ سورة ص ( 38 ) : آية 28 ] أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ( 28 ) [ ص : 28 ] المتقي من اتقى اللّه ظاهرا وباطنا فلم ير في الوجود إلا اللّه ، سئل البسطامي عن اليقين فقال : معرفته أن حركات الخلق وسكونهم فعل اللّه عز وجل لا شريك له في فعاله ، فإذا عرفت ربك واستقر فيك فقد وجدته ، ومعناه أنك ترى أن اللّه واحد لا شريك له في فعاله ، وليس يفعل فعاله أحد ، وقال التستري : العبد للّه واللّه لعبده ، وليس شيء أقرب إليه من قلب المؤمن ، فإذا حضر الغير فيه فهو الحجاب ، ومن نظر إلى اللّه بقلبه بعد عن كل شيء دونه ، وأنشد عبد الغني النابلسي : وإنها حركات من يد وفم * ومن يراع ومن رق ومن وتر